مجمع البحوث الاسلامية

153

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والفقهاء ظنّوا أنّ الّذي ذكروه في بيان التّكاليف واف ، وليس كذلك لأنّ أفعال المكلّفين قسمان : أفعال الجوارح وأفعال القلوب ، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التّكاليف المتعلّقة بأعمال الجوارح . وأمّا التّكاليف المتعلّقة بأعمال القلوب فليس في كتبهم منها إلّا قليل نادر ، وبعض مباحثها مدوّن في الكتب الكلاميّة ، والبعض الآخر منها فصّله الإمام الغزاليّ وأمثاله في علم الأخلاق ، ومجموعها مندرج في قوله تعالى : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ . قال الشّيخ أحمد الغزاليّ لأخيه الإمام محمّد الغزاليّ : جعلت كلّ علمك في كلمتين : التّعظيم لأمر اللّه ، والشّفقة على خلق اللّه . قال الحدّاديّ : وهذه الصّفة من أتمّ ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعة اللّه ، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره ، لأنّ اللّه تعالى بيّن حدوده في الأمر والنّهي وفيما ندب إليه فرغّب إليه أو خيّر فيه ، وبيّن ما هو الأولى في مجرى موافقة اللّه تعالى . فإذا قام العبد بفرائض اللّه تعالى وانتهى إلى ما أراد اللّه منه ، كان من الحافظين لحدود اللّه . ( 3 : 520 ) شبّر : القائمون بطاعته في أوامره ونواهيه هي حدوده تعالى . . . [ ثمّ قال مثل البيضاويّ ] ( 3 : 122 ) الآلوسيّ : أي فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشّرائع . فقيل : للإيذان بأنّ العدد قد تمّ بالسّابع ، من حيث إنّ السّبعة هو العدد التّامّ ، والثّامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ، ولذلك يسمّى واو الثّمانية ، وإليه مال أبو البقاء وغيره ممّن أثبت واو الثّمانية . وهو قول ضعيف لم يرضه النّحاة كما فصّله ابن هشام ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تحقيقه . وقيل : إنّه للتّنبيه على أنّ ما قبله مفصّل الفضائل وهذا مجملها ، يعني أنّه من ذكر أمر عامّ شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفا نحو : زيد وعمرو وسائر قبيلته كرماء ، فلمغايرته بالإجمال والتّفصيل والعموم والخصوص عطف عليه . وقيل : هو عطف عليه ، وقيل : هو عطف على ما قبله من الأمر والنّهي ، لأنّ من يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعا ولا يفيد نهيه منعا . قال بعض المحقّقين : إنّ المراد بحفظ الحدود ظاهره ، وهي إقامة الحدّ كالقصاص على من استحقّه ، والصّفات الأول إلى قوله سبحانه : « والآمرون » صفات محمودة للشّخص في نفسه ، وهذه له باعتبار غيره ، فلذا تغاير تعبير الصّنفين فترك العاطف في القسم الأوّل ، وعطف في الثّاني . ولمّا كان لا بدّ من اجتماع الأوّل في شيء واحد ، ترك فيها العطف لشدّة الاتّصال ، بخلاف هذه فإنّه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلّقت به . وهذا هو الدّاعي لإعراب التَّائِبُونَ مبتدأ موصوفا بما بعده « والآمرون » خبره ، فكأنّه قيل : الكاملون في أنفسهم المكمّلون لغيرهم . وقدّم الأوّل لأنّ المكمّل لا يكون مكمّلا حتّى يكون كاملا في نفسه ، وبهذا يتّسق النّظم أحسن اتّساق من غير تكلّف ، وهو وجه وجيه للعطف في البعض وترك العطف في الآخر . خلا أنّ المأثور عن السّلف ، كابن عبّاس ، وغيره تفسير وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ بالقائمين على طاعته سبحانه ، وهو مخالف